الشيخ محمد رشيد رضا

324

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

في موضع فصل الخطاب ، وان كان تكرارا لمعنى سبق أو اشتمل على التكرار ، وحكمة ذلك ان التنويع في الاحتجاج والتفنن في أساليبه من ضروريات الدعوة إلى الدين - وإلى غير الدين من المقاصد البشرية أيضا - لان التزام دليل واحد على المطلوب الذي لا بد من تكرار ذكره أو إيراد عدة أدلة بأسلوب واحد قد يفضي إلى سآمة الداعي من التكرار على رغبته في الدعوة وتفانيه في نشرها واثباتها ، فكيف يكون تأثيره في المدعوين الكارهين له ولها ، إذا لم يعقلوا الدليل الأول أولم تتوجه قلوبهم إلى تدبر الأسلوب الواحد المشتمل على عدة أدلة ؟ لا جرم أنهم يكونون في منتهى السآمة والضجر من سماع ذلك ، وفي غاية النفور منه ، كيف وقد كان المعاندون منهم ينهون عن هذا القرآن وينأون عنه على ما امتاز به في مقام التفنن والتنويع ، والبلاغة المعجزة في كثرة الأساليب . قال عز وجل : * * * قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي قل أيها الرسول لقومك الجاحدين لرسالتك المعرضين عما جئتهم به من أمر التوحيد والبعث والجزاء : لمن هذه المخلوقات في العالم كله علوية وسفليه ؟ السؤال تمهيد لحجة جديدة ، وقد بينا في تفسير الآيات السابقة ان العرب كانت تؤمن بأن اللّه تعالى هو خالق السماوات والأرض وان كل ما فيهما ومن فيهما ملك وعبيد له . ولفظ « ما » يشمل العقلاء مع غيرهم ، وجزم في الكشاف بأن السؤال للتبكيت وان قوله تعالى قُلْ لِلَّهِ تقرير لهم ، أي هو للّه لا خلاف بيني وبينكم في ذلك ولا تقدرون أن تضيفوا شيئا منه إلى غيره . وقال غيره : تقرير للجواب نيابة عنهم أو إلجاء لهم إلى الاقرار . وقال الرازي أمره بالسؤال أولا ثم بالجواب ثانيا ، وهذا إنما يحسن في الموضع الذي يكون الجواب فيه قد بلغ في الظهور إلى حيث لا يقدر على إنكاره منكر ، ولا يقدر على دفعه دافع . ثم بين ان هذا من هذا ، واحتج على أن كل ذلك للّه بما في العالم المادي من آثار الحدوث والامكان ، على طريقة المتكلمين في الاستدلال . ونقول : ان إتيان السائل بالجواب يحسن في غير الموضع الذي حصر الرازي الحسن فيه ، وهو ان يكون ما يأتي به عين ما يعتقده المسؤول وما يجيب به ان أجاب ، وانما يسبقه اليه ليبني عليه شيئا آخر من لوازمه هو مما يجهله المسؤول أو يغفل عنه أو